السيد محمد حسين الطهراني
194
الروح المجرد ( في ذكرى السيد هاشم الموسوى الحداد )
لَكَانَ كَثِيراً . ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ ثُمَّ قَالَ : مَا مَسْألَتُكَ ؟ ! فَقُلْتُ : سَألْتُ اللهَ أنْ يَعْطِفَ قَلْبَكَ عَلَيّ وَيَرْزُقَنِي مِنْ عِلْمِكَ ؛ وَأرْجُو أنَّ اللهَ تعالى أجَابَنِي في الشَّرِيفِ مَا سَألْتُهُ . فَقَالَ : يَا أبَا عَبْدِ اللهِ ! لَيْسَ العِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ ، إنَّمَا هُوَ نُورٌ يَقَعُ في قَلْبِ مَنْ يُرِيدُ اللهُ تَبَارَكَ وَتعالى أنْ يَهْدِيَهُ ؛ فَإنْ أرَدْتَ العِلْمَ فَاطْلُبْ أوَّلًا في نَفْسِكَ حَقِيقَةَ العُبُودِيَّةِ ، وَاطْلُبِ العِلْمَ بِاسْتِعْمَالِهِ ، وَاسْتَفْهِمِ اللهَ يُفْهِمْكَ ! قُلْتُ : يَا شَرِيفُ ! فَقَالَ : قُلْ : يَا أبَا عَبْدِ اللهِ ! قُلْتُ : يَا أبَا عَبْدِ اللهِ ! مَا حَقِيقَةُ العُبُودِيَّةِ ؟ ! قَالَ : ثَلَاثَةُ أشْيَاءَ : أنْ لَا يَرَى العَبْدُ لِنَفْسِهِ فِيمَا خَوَّلَهُ اللهُ مِلْكاً ، لأنَّ العَبِيدَ لَا يَكُونُ لهم مِلْكٌ ؛ يَرَوْنَ المَالَ مَالَ اللهِ يَضَعُونَهُ حَيْثُ أمَرَهُمُ اللهُ بِهِ . وَلَا يُدَبِّرَ العَبْدُ لِنَفْسِهِ تَدْبِيراً . وَجُمْلَةُ اشْتِغَالِهِ فِيمَا أمَرَهُ تعالى بِهِ وَنَهَاهُ عَنْهُ . فَإذَا لَمْ يَرَ العَبْدُ لِنَفْسِهِ فِيمَا خَوَّلَهُ اللهُ تعالى مِلْكاً ، هَانَ عَلَيهِ الإنْفَاقُ فِيمَا أمَرَهُ اللهُ تعالى أنْ يُنْفِقَ فِيهِ . وَإذَا فَوَّضَ العَبْدُ تَدْبِيرَ نَفْسِهِ على مُدَبِّرِهِ ، هَانَ عَلَيهِ مَصَائِبُ الدُّنْيَا . وَإذَا اشْتَغَلَ العَبْدُ بِمَا أمَرَهُ اللهُ تعالى وَنَهَاهُ ، لَا يَتَفَرَّغُ مِنْهُمَا إلى المِرَاءِ وَالمُبَاهَاةِ مَعَ النَّاسِ . فَإذَا أكْرَمَ اللهُ العَبْدَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ هَانَ عَلَيهِ الدُّنْيَا ، وَإبْلِيسُ ، وَالخَلْقُ . وَلَا يَطْلُبُ الدُّنْيَا تَكَاثُراً وَتَفَاخُراً ، وَلَا يَطْلُبُ مَا عِنْدَ النَّاسِ عِزَّاً وَعُلُوَّاً ، وَلَا يَدَعُ أيَّامَهُ بَاطِلًا . فَهَذَا أوَّلُ دَرَجَةِ التُّقَى ؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتعالى : « تِلْكَ الدَّارُ الأخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ